أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
212
العقد الفريد
لأبي العتاهية في رثاء ابن له : وأصيب أبو العتاهية بابن له فلما دفنه وقف على قبره وقال : كفى حزنا بدفنك ثم إني * نفضت تراب قبرك من يديا وكنت في حياتك لي عظات * فأنت اليوم أوعظ منك حيّا لأعرابي في رثاء ابن له : ومات ابن لأعرابيّ فاشتد حزنه عليه ، وكان الأعرابيّ يكنى به ، فقيل له : لو صبرت لكان أعظم لثوابك ! فقال : بأبي وأمّي من عبأت حنوطه * بيدي وفارقني بماء شبابه كيف السّلوّ وكيف أنسى ذكره * وإذا دعيت فإنما أدعى به عمر بن الخطاب وأعرابي فقد ابنا له : خرج عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يوما إلى بقيع الغرقد « 1 » ، فإذا أعرابي بين يديه ، فقال : يا أعرابي ، ما أدخلك دار الحق ؟ قال : وديعة لي هاهنا منذ ثلاث سنين . قال : وما وديعتك ؟ قال : ابن لي حين ترعرع فقدته فأنا أندبه ! قال عمر : أسمعني ما قلت فيه : فقال : يا غائبا ما يثوب من سفره * عاجله موته على صغره يا قرّة العين كنت لي سكنا * في طول ليلي نعم وفي قصره شربت كأسا أبوك شاربها * لا بدّ يوما له على كبره أشربها والأنام كلهم * من كان في بدوه وفي حضره « 2 » فالحمد للّه لا شريك له * الموت في حكمه وفي قدره قد قسم الموت في الأنام فما * يقدر خلق يزيد في عمره قال عمر : صدقت يا أعرابي ، غير أن اللّه خير لك منه !
--> ( 1 ) بقيع الغرقد : مقبرة أهل المدينة . ( 2 ) الحضر : المدن والقرى والريف .